مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
دور الرسول في إرساء الوحدة
۱۳۹۷/۰۹/۲۵ ۱۱:۴۲ 477

دور الرسول في إرساء الوحدة

 

 

دور الرسول في إرساء الوحدة

 

الأستاذة حياة عمر بوكراع

 

 إنّ المتأمّل للخط التاريخي للتجربة النبويّة يدرك بسهولة أنّه بقدر ما كان التبليغ من الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم -الذي عرف ربّه وتذوّق حلاوة الإيمان- رغبة منه في هداية الناس لعبادة الخالق الفرد الصمد بقدر ما كان استجابة لأمر إلهي فالقرآن أعلنها بصراحة ووضوح بأن قال الله تعالى { يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته }المائدة الآية 67 وبقوله تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للنّاس ما أنزل إليهم }النحل الآية 44 لكنّ القرآن قرن هذا الإعلان بضرورة الطاعة والامتثال لما يورده صلى الله عليه وسلم وجعل من شخصه القدوة وهو المثال الدّي يجب على كل مؤمن اتباعه { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } الأحزاب الآية 31 وأكّد على ذلك بقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر الآية 7 بل جعل من رضاه صلى الله عليه وسلم شرطا لرضا الله سبحانه وتعالى.

ضن هذه الضوابط القرآنيّة يتحسّس المؤمن الخطوات الأولى التّي اعتمدها الرسول الكريم لتحقيق وحدة الصف الإسلامي والتّي كان التوحيد أهمّ أركان هذا التحقيق والخلفيّة العقديّة التي يتمحور حولها.

 

الوحدة والتوحيد كدعوة كونيّة:

اتّسمت الرسالة الخاتمة بالتأكيد على توحيد الصفوف والقلوب إزاء هدف أوحد يتمحور المؤمن حوله وهو عبادة الله ونبذ كل مظاهر تعدّد الآلهة التي تتناقض مع قوة الإبداع الإلهي الذي أحسن وأتقن كل شيء خلقه { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } الأنبياء الآية 23. لم تكن الدعوة لتوحيد الصف تخصّ المسلمين فقط بل كانت جامعة للإنسانية التي كانت في أشد الحاجة للتوحيد كخطوة لتقليص الظلم والطغيان الذي يتخلل كل جوانب الحياة كلما تمحور الإنسان حول ذاته و مصالحه يقول تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } الأنبياء الآية 108 فالإنسانية في أشد الحاجة للانضمام لمعسكر التوحيد المتكفل بتحقيق العدل والمساواة   وتكريس أبعاد المراقبة المستمرة عبر مداومة الذكر فالصلاة التي لا تستقيم ولا تصحّ إلا متى نهت عن الفحشاء و المنكر والصوم الذي يقترن بالإحساس بالجوع وبالخصاصة والحج الذي يتساوى فيه الجميع بالمكان والهندام والزكاة التي تؤخذ عنوة من الغني للمحتاج لتعبيرات متعددة عن هذا التوجه والوحدة الإسلامية بهذا المفهوم لا تعدو أن تكون إلاّ تحقيقا لمبادئ العدالة والمساواة   وقد قال صلّى الله عليه وسلّم "".يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلغت ؟قالوا بلى يا رسول الله قال فليبلغ الشاهد الغائب   عن جابر بن عبد الله في خطبة الوداع أخرجه البيهقي.  

وقد بين الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره أن " من مظاهر كونه رحمة للعالمين تصاريف شريعته أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى للعالمين متعلق بكونه رحمة والتعريف في العالمين لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم والعالم : هو الصنف من أصناف ذوي العلم أي الإنسان أو النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون الشريعة منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة " التحرير والتنوير ص274 وقد أكدت عدة آيات على كونية الشريعة المنزلة على الرسول صلى الله عليه وسلم { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } العنكبوت الآية 46

فالإنسان هو هذا الكائن الذي خلقه تعالى { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } النساء الآية 1 والذي تربطه بغيره سمات وصفات فطرية كونية توحده معه أيا كان محياه ومماته وعرقه ودينه يقول الرسول "الخلق كلهم عيال الله أحبهم إليه أنفعهم لعياله "

 

الوحدة و التدرب على العطاء والبذل "الأخوة نموذج تطبيقي ":

أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام أنّ التغيير لا يكون إلاّ متى صلحت الأنفس واستقامت الأهواء فقال "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه طبقا لما جئت به " وأحبّت لغيرها ما تحبّ لنفسها فقال " لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه ". من هنا فلا غرابة أن يبدأ الرسول عليه الصلاة والسلام حين دخل المدينة المنوّرة بتدريب النفس على العطاء و الإيثار فنراه يؤاخي بين المهاجرين والأنصار ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن على هذه الفئة التي اجتازت الامتحان بتفوّق بل كانت مستعدة لأكثر من ذلك لا تريد بذلك إلا مرضاة الخالق وطاعته { والذّين تبوّؤا الدّار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} الحشر الآية 9. لقد مثّل ذلك القرار التجسيد الأوّلي للوحدة الإسلامية والذي بدأ من خلاله المعلّم الأوّل رسم خطوط الدولة الجديدة والتي لا يمكن أن نتكلم عن وحدة دونها ولم يقتصر هذا التمشّي على الفئة المؤمنة بل شمل كل من قاسمها الأرض والجوار ولم يرد اعتناق الدين الجديد حيث حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على ضمان حريّة وحماية المعتقد والعيش المشترك فأقام من خلال وثيقة المدينة معاهدة مع اليهود لتوضيح حقوق وواجبات كل فرد إزاء الدولة المتمثلة يومها في شخصه عليه الصلاة والسلام ولتنظيم حدود التعامل مع الآخر ولضمان أمنه وللمحافظة على مصالحه في كنف الاحترام المشترك. يقول صلى الله عليه وسلم تأكيدا لبلورة هذه التطلعات " كونوا لمن انقطعتم لهم زينا ولا تكونوا عليهم شينا صلّوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم وأشهدوا جنائزهم ولا يسبقوكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم " الكافي ج2 باب التقية.    

فالأخوّة لم تقف عند مجرّد النصح والترغيب ــ على أهميّتهما ــ بل تجاوز كل ذلك بسنّ قوانين وتشريع أحكام عمليّة تضمن التطبيق والاستمرارية وتمنع الانتكاس بالمكتسبات وتصدّ الأبواب وتغلقها أمام الأنانيّة والضعف البشري بأنواعه ولنا في تسامحه مع مشركي قريش يوم فتح مكة عبر ودروس لامثيل لها فقد كان يردد من دخل داره فهو آمن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن لقد كان همه أن يوحد الأمة على كلمة التوحيد ولم يكن جابيا ولا غازيا بل نبيا ورسولا فالتواد والتحاب لا يكفيان بل يُدعّمان ويجعلان للقوانين بعدا اعتباريّا معنويّا خاصة فالعمل من قبل ومن بعد لا يكون إلا لوجه الله تعالى و لمرضاته وقد قال صلّى الله عليه وسلّم "إنّما الأعمال بالنيّات وإنّ لكلّ امرئ ما نوى" ليكون الرادع والرقيب الحقيقي هو الهاجس الذاتي فتكون لنصائحه وأوامره صدى ويطبق قوله عليه السلام "لا تظالموا وكونوا عباد الله إخوانا" بكل تلقائية تطبيقا واستجابة داخلية يحكمها الشعور الدائم بالعلم الإلهي الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ويتحقق قوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }آل عمران الآية 104

لقد استمرت الدعوة إلى البذل والعطاء من طرف الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي ما فتئ يوجّه هذه الزمرة المؤمنة ويقيّم تصرفاتها ويضع أفقا لعلاقتها ألا وهو تحقيق هدف الجسد الواحد فيقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " أخرجه مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير   ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلاّ باستيعاب أمره تعالى حين قال { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} المائدة الآية 3.

 

الوحدة والجماعة:

لقد بنى الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم مفهوم الأخوّة بين المهاجرين والأنصار على خلفيّة البذل والعطاء والإيثار ضمانا لتحقيق العدالة والمساواة مع التأكيد على أهميّة محافظة الإنسان على العزّة والأنفة فلا يبق الفرد مجرّد متلقّ ينتظر الصدقات بل يتحوّل إلى قوّة عاملة مشاركة تساهم في الحراك بفاعليّة. ومن جهة أخرى فإنّ ترسيخ مفهوم العيش المشترك مع اليهود هو حرص من الرسول الكريم على لمّ شمل صحابته وتعويدهم على بناء علاقات اجتماعية سليمة يكتنفها الاحترام والصبر ودعوة لنحت الفرد المسلم الإيجابي في المجتمع وقد قال صلّى الله عليه وسلّم " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير وأحب إلى الله من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أداهم" الذي لا يريده يتمحور حول ذاته.

لقد بدأ المسلمون يتهيّؤون لإقامة المجتمع الموحّد وحثّهم القرآن على ارساء البنيان المرصوص فقال { إنّ الله يحبّ الذي يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص} الصف الآية 4 ولم يكن ذلك بالأمر البسيط فهو حالة مجاهدة مستمرّة وتحدّ للنفس الأمّارة بالسوء التي مهما حاول الرسول الكريم إصلاحها وتقويمها فلن يتمكّن من القضاء المبرم على كلّ أمراض القلوب خاصّة فيمن وجدوا أنفسهم داخل الحراك فأعلنوا إسلامهم ولكن لم تؤمن قلوبهم لذلك وصفهم الله في القرآن بقوله { في قلوبهم مرض } البقرة الآية 10. وقد ذهب المفسّرون إلى أنّ المقصود بهؤلاء هم المنافقون الذين كانت تجربة الرسول صلّى الله عليه وسلّم معهم وجها من وجوه الواقعيّة التّي اتّصفت بها هذه التجربة حيث كانت استجابتهم ظاهريّة وكثيرا ما كانت المناسبات الداعية للبذل والجهاد المرآة التي تعبّر عن مدى هشاشة ايمان هؤلاء بل عن عدم الإيمان الحقيقي بهذا الدين ونجد العديد من آيات القرآن المدني تتحدث عن هؤلاء المنافقين وتفضح أغوار نفوسهم.

إنّ ازدواجيّة الحرص على وحدة الصفّ والانقياد لرأي الجماعة من جهة واحترام تطلّعات الآخر وطموحاته وضمان حرية رأيه والاصداح به من جهة أخرى لم تعن في حياة هذه الفئة المؤمنة إلاّ ممارسة تطبيقيّة لفتح المجال للتفاعل الثقافي والحضاري ولنشأة الفرد الفاعل الذّي حطّم قيود التبعية والانقياد الأعمى ليتصرف بوعي وإدراك وقد كان حديث السفينة للرسول عليه السلام الذي رواه النعمان بن بشير وأخرجه البخاري تجسيدا لهذه المسيرة الجماعيّة الكونيّة يقول صلى الله عليه وسلم " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذّين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".  

من الواضح أنّ الصالح الإنساني العام وتحقيق السلم والسلام للفرد أو للمجموعة أمران لا يتناقضان بل لا يمكن تحقيقهما إلاّ ضمن رؤية شاملة تراعي المصلحة الفرديّة القريبة داخل المصلحة العامة.

 

الوحدة بين الاختلاف و النفاق:  

إن ّالكلام عن ظاهرة النفاق ضرورّي لبيان ما يعترض بناء المجتمع المسلم من عثرات داخليّة تمثّل المدخل الأساسي لأيّ خطر يمكن أن يسيء لوحدة هذا المجتمع واستمراريّته وهو لا يمتّ بأي صلة لمفهوم "الآخر" الذي حرص الإسلام على ضمان وجوده واندماجه داخل الجماعة المنتظمة في كنف الحريّة المسؤولة بل لم يجبر هذا الآخر على اعتناق الدين الإسلامي.

إنّ النّفاق أخطر وأمرّ وقد تعامل معه الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم بكل حذر ونبّهت إليه الآيات عدّة مرّات ونذكر على سبيل الذكر لا الحصر موقفين لنبيّ الرحمة صلّى الله عليه وسلّم من النّفاق من ذلك عندما حاول رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن أبي سلول   تأليب الأنصار على المهاجرين في إحدى الغزوات وقال في المهاجرين بازدراء "سمّن كلبك يأكلك " وأضاف " لئن عدنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منا الأذلّ " فغضب الرسول الكريم وأمر المقاتلين بالرحيل ولم يمكنهم من أيّ استراحة ولا مجادلة وأغلق باب الفتنة والخصام دون أيّ تعقيب وبقي الجميع ينتظر موقفه عليه السلام حتّى أنّ ابن رأس المنافقين أدرك خطورة ما أتاه أباه وما كان يمكن أن تؤول إليه الخصومة فطلب من الرسول أن يمكنّه من الاقتصاص بنفسه من أبيه لكنّ الرسول كان يدرك انعكاسات ذلك على وحدة المجتمع ويدرك أنّ ظاهرة النفاق متكررّة متجذّرة في كل المجتمعات وأنّ قتله لن يخمدها أو يوقفها فرفض ذلك معقبّا " أتريد أن يقال أنّ محمّدا يقتل أصحابه".

أمّا الموقف الثاني فقد كان إزاء المنافقين الذّين تخلّفوا عن القتال وتجرّؤوا واختلقوا قصصا وتعلّات وأعذارا وكان عليه السلام يعلم علم اليقين أنّهم يكذبون ومع هذا استمع لهم ولم يعقّب ولم يُكذّب أيّا منهم.

لقد أدرك الرسول وجود خيط فاصل بين النفاق والاختلاف وحرص على ترك الحكم على تصرّفات النّاس لله سبحانه وتعالى لأنّه الكفيل بخلقه العالم بخفايا الأنفس لذلك أنّب أحد صحابته الذي قتل شخصا نطق بالشهادتين بدعوى أنّه إنّما قالها خوفا من السيف فقال عليه الصلاة والسلام" هلاّ دخلت قلبه ".

واقتداء بالهدي النبوي حرص علماء المسلمين على ألاّ يكون الاختلاف في الرأي والاجتهاد مطيّة لتكفير الناس ورفضهم وإباحة دماءهم فقال أحدهم " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر". فالوحدة لا تقتصر على مجرّد الرغبة وليست حلما يراود المسلمين بل هي تجربة عاشتها الأمة التيّ لم تخل من تناقضات وعداءات في الداخل والخارج لكن قدرة الرسول وصحابته من بعده على حسن التسيير ونبذ الأنانيّة وتجاوز المصلحة الذاتية واعتماد النظرة البعيدة التي تستشرف انعكاسات الأمور أنتجت تطبيقا عمليّا لمفهوم الجماعة توخّت الواقعيّة ووُفّقت أيّما توفيق.

لقد اعتمد علماء المسلمين المقولة المأثورة التي تعتبر أنّ أيّا كان المتكلّم فقوله صحيح يحتمل الخطأ وقول الغير غلط يحتمل الصواب وقد وقف الإمام مالك رضي الله عنه أمام قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال قولته المشهورة "كلّكم راد ومردود عليه إلاّ صاحب هذا القبر".

 

   آليّة الإقلاع والتجاوز: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الأمر بالمعروف لا يقتصر على إلقاء الخطب و تقديم النصائح ولا يكتفي بالدعوة والحضور في المؤتمرات والمنظمات والاجتماعات وإن كان كلّ هذا ضروري ومهمّ بل إنّ هذا الأمر يعدّ مسألة شرعية تقوم على ضرورة توفير الأرضيّة الصالحة لنموّ الخير وزرع البذرة في أوانها بطريقة منهجيّة .

إن الأمر بالمعروف يتمثّل في عملية توعوية متواصلة مسترسلة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " رواه الترمذي عن حذيفة وفي نفس الإطار يقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما تركه قوم إلا ضربهم الله بالذل وألبسهم لباس البؤس".

الأمر بالمعرف هو إذن دعوة لفتح باب العطاء الفكري والأدبي والتوصّل لمعرفة كنه وحقائق الأمور هو المحافظة على مقاييس تساهم في نشر الأمان والانضباط وتعيد لمفاهيم الخير والعطاء والعمل قيمته وربّانيته حتى نسترجع البعد السامي للإخلاص والنيّة التي جعل منها الرسول عليه السلام الشرط الأول والأساسي لقبول العمل.

إنّ الإعداد الجيدّ للقضاء على الباطل يتطلّب سياسات خاصة في المجال التعليمي والإعلامي خاصة ونحن في عهد الفضائيات وانتشار الصورة وفي سنّ برامج اجتماعية وتنموية وفي نشر قيم الخير ونبذ الرذيلة وفي صدّ كلّ محاولات التشكيك في دور الدين كبديل أخلاقي وكضرورة بشرية لا يستقيم حال الإنسان بدونه.

أمّا النهي عن المنكر فيكمن في بيان مخاطر زرع الاستهتار واللّامبالاة في المجتمع والرسول عليه الصلاة والسلام يقول " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.

إنّ غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فتح المجال لاتّباع الهوى وانتشار الرذائل وهوعدم امتثال لقوله تعالى { ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } آل عمران الآية 104.

إلا أنّ هذا الكلام لا يعني السقوط في تكريس التبعيّة والرضاء بالدونيّة أو قمع الحريّات التّي غالبا ما تقع فيه الدعوات الأخلاقيّة بل بالعكس هو سعي لقيام مجتمع راق يتمثّل مبادئه وتلك غاية أقيمت عليها الفلسفات ولنا في تاريخ الأمة الإسلامية خير دليل حيث أحدث التعمقّ في المجال القيمي الديني حركات ومدارس كلاميّة ومذهبيّة لا نزال نجتر إنتاجاتها ونستعمل أدواتها إلى يوم الناس هذا.

إنّ الحاجة ملحّة لبناء ثقافات تنبع من أعماق واقعنا الراهن ومتطلّباته وتحيّن وتفتح العقول أمام باب الاجتهاد وتكون في مستوى التمكين لهذا الدين وذلك تحقيقا لمفهوم ختم النبوّة و لصلوحيّة هذا الدّين المستمرّة عبر العصور وبذلك تتحقّق الآيات التي يقول فيها تعالى { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى وليبدلنّهم بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا } النور الآية55.

 

الوحدة ضمن التعدد والاختلاف:

إنّ الوحدة لا يمكن أن تكرّس إلاّ ضمن تقبّل الآخر واحترام آراءه ومواقفه والبحث عن نقاط الالتقاء معه وهي لا تعني بناء قوالب جاهزة و أجوبة لكل مستحدث فالفطرة الإنسانيّة اقتضت الاختلاف والوحدة هي البحث الدائم عن الحلول الملائمة المتقاربة.

إنّ التعدّد لا يٌعتبر وجها من وجوه التشتّت بقدر ما يجسّم حالة إنسانيّة فطريّة فالله سبحانه وتعالى يقول { ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزلون مختلفين إلا ما رحم ربّك ولذلك خلقهم } سورة هود 118ـ119 ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في القول المأثور "اختلاف أمتي رحمة" والإشكال الذي يجب أن نتجاوزه هو كيفيّة التوفيق بين الوحدة واحترام المختلف و كيفية فهم الاختلاف داخل إطار قوله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقّوا } آل عمران الآية 103.

التعدّد إذن لا يتناقض مع الوحدة و المطلوب هو البحث عن الأهداف المشتركة وتوحيدها في برامج ومناهج وسياسات واقعيّة والمحافظة على استقرار الأمّة بالتأكيد على القيم التي دعا إليها القرآن { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول } النساء الآية 59. فالنّزاع حالة مصاحبة لاختلاف الناس في مواقفهم ورآهم وقراءاتهم حتّى للثوابت والأصول والأمر الربّاني يتراوح بين قوله "لا تنازعوا" وقوله " فإن تنازعتم " فالأصل ألاّ نتنازع لكن ذلك وارد والله سبحانه أعلم بخلقه فإن تنازعنا فلنبتعد عن التنافي والتكفير وننشر عوضهما قيم التسامح والحرية والحوار وهذا هو التجسيم العملي للاعتصام بحبل الله.

لقد ربط الإسلام بين العمل والنوايا "إّنما الأعمال بالنيّات " كما قال عليه الصلاة والسّلام من جهة وبين العمل والعبادة الهدف الأول من وراء الخلق كما قال تعالى{ وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون } سورة الذاريات الآية 56 من جهة أخرى. وسنّ فرائض لا يعدو أن يكون في مجمله إلاّ تجسيدا للوحدة ونشرا للسلام { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام } المائدة الآية15-16 وقد جعلها الله متكرّرة منتظمة كالصلاة التي لا تصحّ إلا متى حقّقت المراد منها {إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } العنكبوت الآية 45 والصيام الذّي لا قيمة له ما لم يترك فاعله اللغو والكذب أمّا الصدقة فلا يصحّ إيمان من بات شبعان وجاره جائع كما وصّى عليه الصلاة والسلام عن الجار فقال " لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتّى خشيت أن يورّثه " والزكاة كركن من أركان الدين تؤخذ عنوة من الأغنياء كحقّ للمعوزين والمحتاجين. وفي المحصلة فقد أكّد الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الالتزام بهذه الفرائض فقال" إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " رواه الدارقطني عن أبي ثعلبة وأورده النووي في الأربعين.

الحوار مجال لتقريب الآراء وتحقيق الوحدة:

إنّ خير ما يستهلّ به الحديث عن أساليب الحوار وتوظيفه من لدن الرسول عليه الصلاة والسلام سعيا منه لنشر الدعوة وإقامة المجتمع الموحّد هو قوله تعالى سبحانه { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك } آل عمران الآية 159. فلا عجب أن نجد سيرته النموذج الأسمى في إرسائه لهذه الأساليب مع مخالفيه ومحبيه على السواء وإنّ ذلك لعمري لوجه من وجوه تحقيق الوحدة ولمّ الشمل. لهذا نسوق مثال لحوار تمكّن عليه الصلاة و السلام خلاله من تحويل مخاطبه من مناوئ إلى متعاطف يلقي بسلاحه وبحججه فقد أورده بن هشام في سيرته " إن عتبة بن ربيعة جلس إليه وقال يا ابن أخي إنّك من حيث قد علمت من المكانة في العشيرة وإنّك أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفّهت أحلامهم وعبت آلهتهم فاسمع منّي أعرض عليك أمورا لعلّك تقبل بعضها فقال عليه السلام قل يا أ أبا الوليد أسمع فقال عتبة ما قال حتّى إذا فرغ قال عليه السلام أَوَ قد فرغت قال نعم قال فاسمع منّي قال أفعل قال ابن هشام فتلا عليه سورة فصّلت إلى أن سجد وقال قد سمعتَ يا أبا الوليد فأنت وذاك .... فلما رأوه أصحابه قالوا سحرك يا أبا الوليد".  

نلاحظ كيف كان صلّى الله عليه وسلمّ يسمع من مشرك يحاول إغواءه وكان يدرك ذلك مسبقا إلا أنّه حرص على سماعه وتركه يعبّر بكل وضوح عمّا جاء من أجله وانتبه إلى ما يقوله وهذا لا يعني السقوط في المداهنة والملاعبة بالثوابت التّي من أجلها أقيمت الدعوة. لم يحد عليه السلام عن هدفه في تبيين الحق والدعوة لعبادة الخالق الفرد الصمد   بكل لين ولطف حتّى يتحوّل المحاور مهما بلغت عداوته كأنّه وليّ حميم كما قال تعالى { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم } فصلت الآية 34 وإن انتهى رفاق ابن عتبة ـوقد أوعزتهم الحجة ـ إلى اعتبار ما يؤتيه الرسول سحر فإن ذلك لم يغير من حرصه على هدايتهم واجتماعهم حول كلمة توحد صفوفهم { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا }.آل عمران الآية 64

هكذا كانت هذه سيرته عليه السلام حتّى في أعسر المواقع وقد روى المؤرّخون ما تعرّض إليه عليه السلام في الطائف وكيف قابله لأهلها بالرفض والسخريّة ثم تعقّبوه بالضرب إلا أنّه ما إن رأى الشاب النصراني الذي جاءه مغيثا حتىّ نسي أوجاعه وسأله عن مسقط رأسه فلمّا أجاب الشاب "من نينوي" ردّ عليه الصلاة والسلام "من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى قال النصراني وما يدريك من يونس بن متّى قال ذاك أخي وكان نبيّا وأنا نبيّ" وهكذا وجد الرسول عليه الصلاة والسلام من خلال هذا الحوار القاسم المشترك مع هذا النصراني.

لقد كان عليه السلام وهو القائل "أدّبني ربّي فأحسن تأديبي" يتوخّى الطرق الكفيلة بإبراز مزايا محدّثه واكتشاف أنبل الطرق وأقصرها للإقناع دون تبخيس ولا تجريح. نراه يؤكد ذلك بقوله: "فإن تقبلوا منّي ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم".

وكان الرسول يسمح لصحابته بمحاورته بكل حرية وقد سأله أحدهم في غزوة بدر أهو الرأي أم الوحي يا رسول الله فأجابه أنه الرأي فحينها أشار عليه بتغيير الموقع فاستجاب الرسول لذلك وأثنى عليه وكذلك كان الأمر في غزوة الخندق الذي حفر عملا بنصيحة سلمان الفارسي وقد استأنس الرسول برأيه مما يبين كيف كان الرسول يربي أصحابه بالحوار المتواصل و يفتح أمامهم مجالات التفكير الحر ويحفز لديهم الرغبة والقابلية للتحول والتطور والرقي العقلى والروحي

الحرية ضمان الوحدة وسبيلها:

لا يمكن الحديث عن الوحدة داخل فضاء يسوده الاستبداد وتنعدم فيه الحريّات ذاك أنّ الحريّة كما قال الإمام محمد الطّاهر بن عاشور" أثقل أعداء الظالمين والمخادعين والجبابرة لذلك ما فتئ هؤلاء منذ أقدم العصور يبتكرون الحيل للتضييق على الحرّيات   وخنقها حتّى يكمّموا أفواه الناس " من ذلك سعيهم لإحياء النعرات العرقيّة والقطريّة حينا والطائفيّة والدينيّة حينا آخر وحرصهم على نشر الخرافة والشعوذة و الأفكار الداعمة للتواكل والكسل.

إنّ حريّة العمل والفعل والرأي أصلا شرعيّا وفطريّا فالإسلام لم يفرّق بين إنسان وآخر "كلّكم من آدم وآدم من تراب" وجعل الفعل طريقا للحكم بالصلاح أو سواه وفلسفة التوحيد تكفّلت بتحرير الإنسان وربطته بالقدرة الحقيقيّة والقوة المسيّرة للكون فانطلق يسعى وقد تخلّص من ضغط الطغاة والظلمة متيّقنا أنّ الأمر من بعد ومن قبل بيد الله وأنّ مهّمته تقتصر على التوكّل والسعي فسبحانه وتعالى جعل من اتخاذ الأسباب قانونا يجازي ويعاقب به و كتب على نفسه ألاّ يغيّر ما بقوم حتّى يغّيروا ما بأنفسهم وقد أعلنها الذكر الحكيم مدوية { إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم } الرعد الآية 11.  

إن ارتباط الوحدة بالتوحيد يجعلها مرتبطة حتما بالحريّات منعتقة ومتخلّصة من كلّ القيود والأغلال التي تكبّل الإنسان كلّما ابتعد عن التوجّه لغير القادر الخالق واعتمد على غير الله سبحانه وقد جسّم الرسول الكريم ذلك فمنع صحابته من إطرائه والمبالغة في حبّه خشية أن يفتح ذلك باب الشرك والتأليه كما حصل للنصارى من قبل.

 

آليّات تحقيق الوحدة

أخيرا إنّ المتأمّل لتاريخ الحضارة الإسلاميّة يدرك بيسر كيف تجاوزت عبقريّة الإسلام الخصوصيّة القوميّة والعرقيّة للشعوب المنضوية تحت راية التوحيد وأنتجت وحدة حضاريّة ثقافية اندمج و توحّد فيها الجميع فلم يعد المتطلع لعلم التفسير مثلا يتكلّم عن عربي أو فارسي أو هندي بقدر ما كان يلتهم إبداعا إنسانيّا تتقلّص فيه العوامل العرقيّة أمام الآية وما يحوم حولها من روافد وعلوم وكذلك علم الحديث و الفقه وعلوم الفلك والرياضيّات وهذا لا يعني تغييبا للفرد وخصوصيّته بقدر ما تعني حالة من التماهي بين الفرد واللحظة الحضاريّة التّي أنشأها الدين وما تولّد عبره من وحدة حضاريّة جعلت من كلّ الإبداعات نتاجا إسلاميّا لا تحكمه وتوجهّه إلاّ الخلفيّة التوحيديّة.

والسؤال الذّي يجدر طرحه يتمثل في كيفيّة تحقيق الوحدة والخروج من حالة التعطيل الفكري والحضاري التي ابتليت بها الأمة والإقلاع نحو أفق يمكنها من استرجاع دورها الذي تبوّئته يوم كانت أمة وسطا وتمثّلت قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرّسول عليكم شهيدا }البقرة آية143 ولا يكون ذلك إلاّ متى انعتقت:

ــ من قيود الجهل والهوى والشهوة

ــ من قيود التبعيّة لكلّ القوى المستبدّة

- من قيود المضلّين المتحكّمين وأصحاب المصالح والأغراض

ــ من التقليد الأعمى وغلق باب الاجتهاد