مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
الوحدة الاسلامية أسسها وضرورتها الحياتية للمسلمين
۱۳۹۷/۰۹/۲۵ ۱۱:۴۲ 498

الوحدة الاسلامية أسسها وضرورتها الحياتية للمسلمين

 

 

الوحدة الاسلامية أسسها وضرورتها الحياتية للمسلمين

 

 السيد محمد علاء الدين ماضي أبو العزائم

رئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

وشيخ الطريقة العزمية بجمهورية مصر العربية

 

       مقدمة

الحمد لله، جعل الإيمان حال، والأخوة نتيجة لحال، والصلح بينهما أمر، والتقوى لهما نور، فإذا اصطلح الإيمان مع الأخوة، ونور بالتقوى عمت الرحمة، سر قوله تعالى: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( (الحجرات: 10).

والصلاة والسلام على سدرة منتهى علوم الخلائق، والمثل الأعلى لغيب الحقائق، نعمتك العظمى على من أهلتهم لمشاهدة جمالك العلى، وبرزخ ما بين جلالك وجمالك، لمن أبعدته عن الفوز بالإيمان بك، نورك الأعظم المشرق على القلوب بغيوب حقائق التوحيد، وعلى الأبدان ببيان ما تحب سبحانك من الأعمال والأحوال والأقوال.. سيدنا ومولانا محمد.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الذى جملته بمعانى صفات جمالك للمؤمنين، سر قولك: )حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ( (التوبة: 128)، المتخلق بأخلاقك سبحانك وآله وورثته.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الذى ألفت به بين قلوب متنافرة، وأنقذت به من النار من اخترتهم بعد أن كادوا أن يقعوا فى الحافرة.

صل يا الله عليه وعلى آله وورثته والتابعين، صلاة تمنحنا بها حبك، وتعطينا به قربك، وفضلك ورضوانك، وتجعلنا بها عمالاً لذاتك، صلاة توسع بها لنا أرزاقنا، وعلومنا، وأعمارنا، وتجمل بها أحوالنا وأعمالنا.. يا رب العالمين.

وبعد:

فقد شاعت بين المصلحين ودعاة الوحدة كلمات مثل: الوحدة الإسلامية أو الاتحاد الإسلامى والأمة الواحدة الإسلامية أو الجماعة الإسلامية، والأخوَّة الإسلامية أو التآلف بين المسلمين والتقريب بين المذاهب الإسلامية، وهذه الكلمات والتعابير – مع الاعتراف باشتراكها فى المغزى والهدف وهو تقارب المسلمين وتآلفهم – إذا تأملنا فيها، وأعطيناها حقها من الدقة والاعتبار فلكل منها مفهوم خاص يختلف عن غيره بقليل أو كثير.

- فالوحدة الإسلامية، أو الاتحاد الإسلامى عبارة عن وحدة كلمة الأمة تجاه قضاياها الأساسية وأهدافها المشتركة ووقوفها صفًَّا واحدًا أمام الأعداء، وهى الغاية القصوى والغرض الأقصى من كل المحاولات الجارية، والجهود الجبارة، والدعايات الوحدوية من قبل المصلحين فى العالم الإسلامى.

- وأما الأمة الواحدة – أو الجماعة الإسلامية – فتحمل فى جوهرها علاوة على وحدة الكلمة والصمود أمام الأعداء وحدة جماعية إلى جانب الأمم الأخرى يحسن التعبير عنها بالقومية الإسلامية، فالمسلمون لهم جنسية إسلامية، قوامها الإيمان بالله ورسوله والتسليم لهما، ولهم وطن واحد، وسلطان قائم بذاته تحت قيادة واحدة، ولهم ثقافة ملموسة، وتقاليد مرسومة، مصدرها الكتاب والسنة، وسيتلى عليكم الآيات الشواهد على هذه القومية الإسلامية.

- وأما الأخوة الإسلامية، فهى فى بدو النظر تعبير عن الجانب العاطفى والتعاطف الروحى بين المسلمين باعتباره تشديدًا للعلاقة بينهم وتبادلاً للمحبة بين قلوبهم محبة الأخ للأخ.

وقد قام النبى o فى بداية الهجرة- بعد أن أعلن أن المسلمين أمة واحدة- بعقد الأخوة بين المهاجرين والأنصار، قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله J بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال لهم: (تآخوا فى الله أخوين أخوين)، ثم أخذ بيد علىِّ بن أبى طالب، فقال: (هذا أخى)، ثم ذكر ابن إسحاق مؤاخاة الآخرين.

- وأما الائتلاف بين المسلمين فهى تعبير عن الجانب العاطفى فحسب لا يثبت بمجرده حقًّا فلا مسئولية بينهم.

- وأما التقريب بين المذاهب الإسلامية فتعبير عن بذل الجهود العلمية فى سبيل إزالة الفوارق التى باعدت بين المذاهب الإسلامية وأئمتها وأتباعها فينكر بعضهم بعضًا، وينظرون إلى المذاهب كأنها أديان مختلفة وكأن أتباعها أتباع أديان وأمم شتى وليسوا أمة واحدة، وكذلك تحسين العلاقة بين الأئمة وعلماء المذاهب وتكوين الجو الهادئ والتعارف بينهم على أساس المشتركات بين المذاهب التى تشكل تسعين بالمائة أو أكثر ليتبادلوا الآراء فيما اختلفوا فيه – وهى أقل من المشتركات بكثير – ولا سيما المسائل الفقهية والأصولية وغيرها.

وفى رأينا أن الآيات 102 إلى 103 من سورة آل عمران تشمل جميع هذه المفاهيم التى ذكرناها لتلك الكلمات وهى قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا....(.

فالخطاب: يا أيها الذين آمنوا إشارة إلى القومية الإسلامية إلى جانب أقوام اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، قوامها الإيمان بالله ورسوله والتسليم لهما مع تقوى الله – كما قال: )اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(. والاعتصام بحبل الله هو الوحدة المنشودة بين المسلمين ووقوفهم أمام الأعداء والاجتناب عن التفرقة والمعاملة مع المسائل التى اختلفوا فيها برفق وبالتركيز على المشتركات – وهى حبل الله – والحذر عن جعلها فرقًا ومذاهب، وفيها إعلان بأن التأليف بين القلوب والأخوة بين المسلمين نعمة من الله تبارك وتعالى.

الأمة الإسلامية الواحدة:

أكد الإسلام بأن المسلمين أمة واحدة يجب عليهم أن يحتفظوا بتماسكهم وبقوتهم وباستعدادهم للوقوف أمام أعدائهم وللدفاع عن أنفسهم، وهذه المهمة بالذات هى التى تهتم بها الطريقة العزمية.

ونحن ندعوا المسلمين إلى توحيد صفوفهم والتمسك بدينهم، وندعوا العلماء والقادة بالاجتماع حول مائدة الكتاب والسنة، فيركزوا على المشتركات، وهى أكثر من خمس وثمانين بالمائة، سواء فى صعيد السنة، أو فى حقل الشريعة والعقيدة، وأما الكتاب الكريم فهم متفقون عليه بحمد الله تمامًا.

وأما فيما اختلفوا فيه من المذاهب فليعترفوا جميعًا بمذاهبهم، ويجعلوها مدارس فقهية وكلامية، ويجعلوا دعوتهم باسم الإسلام، أى: لا سنة ولا شيعة، ويتبادلوا الآراء بينهم فيأخذوا بأحسنها عملاً بقوله تعالى: )فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ( (الزمر: 17 – 18).

المسلمون أمة واحدة ورسولهم واحد([1]):

يتفق المسلمون جميعًا على اختلاف مذاهبهم أن الله هو خالق الكون وأنه أرسل رسوله بالشريعة التى أكملت الدين الحق الخاتم، وأن الإسلام هو التسليم لله والسلام للناس، كما يتفق المسلمون أن الرسول o كان أسوة فى تطبيق الدين المكتوب بالكلمات فى حياته o، وكان الناس عندما يسمعون الآية منه يبادرون إلى تطبيقها جهد المستطاع، ولهذا أرادنا الله تعالى أن نقتدى به فى كل ما قاله وفى كل ما فعله؛ لأن أقواله رسالة وأفعاله رسالة، فهو المعصوم بعصمة الله تعالى له، الذى لا يخطئ فى قول ولا فعل، وقد قال الله تعالى لنا مخاطبًا الناس جميعًا: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ( (الأحزاب: 21)، وقال تعالى عن رسوله وهو يصفه: )وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ( (القلم: 4)، فلا بد أن يكون للمسلمين جميعًا الخلق العظيم الذى يتحرك فى شخصياتنا، ويتعمق فى كياننا، أن يكون الإنسان المسلم هو إنسان الأخلاق فى نفسه وفى بيته والمجتمع كله، يرى ويلمس الناس منه الخير والرحمة والمحبة، وقد قال الله تعالى وهو يتحدث عن رسوله: )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ( (التوبة: 128).

لقد كان الرسول o رسول الإنسانية، يعيش إنسانيته فى إنسانية الآخرين، فكونوا مثله، وتأسوا به، ليحمل كل واحد هموم الناس من حوله، قال تعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ( (آل عمران: 159)، وقد عبر o عن أهمية إحساس المسلمين بعضهم ببعض فقال: (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر)([2])، ذلك هو شرط أن نكون مسلمين كما هو الإسلام، فالإسلام قول وفكر وعمل وإحساس وشعور بكل ما تعيشه الأمة الإسلامية من آلام وأحزان. وذلك حتى لا ينالها سوء، أو تسقط أمام التحديات.

 

أسباب الوحدة:

يُجمع المسلمون جميعًا على الإقرار بأركان خمسة والعمل بمقتضاها، وهذه الأركان هى:

1- شهادة أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا رسول الله.

2- وإقام الصلاة.

3- وإيتاء الزكاة.

4- وصوم رمضان.

5- وحج البيت الحرام لمن استطاع سبيلاً.

وهذه الأركان الخمسة هى التى وردت فى الحديث الصحيح عن رسول الله أنه قال: (بُنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)([3]).

إن التعاون بين المسلمين واجب بموجب هذا الأمر الإلهى الصريح )وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ َالتَّقْوَى( (المائدة: 2)، فكيف به إذا أضاف المسلم إليه ما يعمله ويعلمه غيره من أن مكانه المسلمين، بل منزلة الإسلام فى نفوس الآخرين ستضار جدًّا إذا لم يتعاون المسلمون ويعملوا معًا لما فيه خدمة دينهم، كما إن مسئولية الحكومات يجب أن تعمل على إيجاد فرص التعاون بين المسلمين، وتلافى كل ما يؤدى إلى الفرقة والخلاف والتخاذل، وأن تقر مبدأ الحوار للتقريب بين وجهات النظر، وأكثر دعاوى الخلافات الرائجة الآن بين السنة والشيعة تعد مفتعلة؛ لأن الجميع مسلمون، لهم رب واحد ودين ونبى واحد وقبلة واحدة.

ثم إن الخلاف الطائفى الشيعى السنى، ليس الخلاف الوحيد فى تاريخنا الإسلامى وواقعنا المعاصر، فقد كانت ولا تزال هنالك خلافات مريرة داخل كل طائفة، داخل الشيعة أنفسهم وكذلك السنة، إضافة إلى الخلافات القومية والقبلية والطبقية التى تفجرت عبر التاريخ وتتفجر هنا وهناك باستمرار. بحيث نستطيع القول: إن الخلاف الشيعى – السنى يتراجع إلى درجة كبيرة أمام تلك الخلافات، وأنه لا يوجد فى الحقيقة خلاف جدى بين الطائفتين، ما عدا وجود بعض الحواجز النفسية والمسائل البسيطة.

فالأمة الإسلامية أمة واحدة جعل الله I الانتماء لها مقدم على الانتماء للعرق أو اللون أو الجنس، والآيات القرآنية الكريمة تؤكد هذا المعنى وهى قوية إلى توحيد الكلمة، واجتماع الصف المسلم، منها قوله تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( (الأنعام: 103) وقوله: )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ( (الأنعام: 159) وقد تضمنت أيضًا آيات كثيرة:

1- التحذير من دسائس غير المسلمين، ومن طاعتهم فيما يوسوسون به.

2- التعبير عن الاتحاد بالإيمان، وعن التفرق بالكفر، فإن معنى: )وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (البقرة: 109)، أى بعد وحدتكم وأخوتكم متفرقين متعادين.

3- الاعتصام بحبل الله من الجميع هو أساس الوحدة والتجمع بين المسلمين، وحبل الله هو الإسلام، والقرآن، والولاء لأهل البيت، والطاعة، والجماعة... إلخ.

4- التذكير بنعمة الأخوة الإيمانية بعد عداوات الجاهلية وحروبها، وهذه من أعظم النعم بعد الإيمان )وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (الأنفال: 63).

5- لا يجمع الأمة أمر مثل أن يكون لها هدف كبير تعيش له، ورسالة عليا تعمل من أجلها، وليس هناك هدف أو رسالة للأمة الإسلامية أكبر ولا أرفع من الدعوة إلى الخير الذى جاء به الإسلام، وهذا سر قوله تعالى فى هذا السياق: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( (آل عمران: 104). التاريخ سجل العبر، والواعظ الصامت للبشر، وقد سجل أن من قبلنا تفرقوا واختلفوا فى الدين فهلكوا، ولم يكن لهم عذر؛ لأنهم اختلفوا بعد ما جاءهم العلم، وجاءتهم البينات من ربهم، ومن هنا كان التحذير الإلهى: )وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (آل عمران: 105).

هذا وقد أكد القرآن أن المسلمين – وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم ولغاتهم وطبقاتهم – أمة واحدة، وهم الأمة الوسط الذين جعلهم الله )شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( (البقرة: 143) وهم كما وصفهم القرآن: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ( (آل عمران: 110)، وأعلن القرآن أن الأخوة هى الرباط المقدس بين جماعة المسلمين وهى العنوان المعبر عن حقيقة الإيمان: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( (الحجرات: 10)، وجاءت الآيات بعد هذه الآية تقيم سياجًا من الآداب والفضائل الأخلاقية يحمى الأخوة مما يشوهها ويؤذيها، من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ( (الحجرات: 11، 12). وحذر القرآن من التفرق أيما تحذير، ومن ذلك قوله تعالى: )قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ( (الأنعام: 65).

الأمة هنا هى مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شىء، ولم يخصها – فى هذا المجال – بشىء، فإذا هى استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحَّدت كلمتها، وجمعت صفَّها، عزَّت وسادت وانتصرت على عدوِّ الله وعدوِّها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هى استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها، من خلال تفرقها، وتمزق صفوفها، وإلا لم يكن هناك معنى لقوله تعالى: ) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا( (آل عمران: 103)، ولا لقوله سبحانه: )وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ( (الأنفال: 46)، ولا لقوله جل شأنه: ) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ( (الصف: 4)، ولا لقوله عز من قائل: ) وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ( (الروم: 31 – 32)، ولا لقوله: ) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ( (المؤمنون: 52).

الوحدة الإسلامية من الواقع المعاصر

تعد الوحدة الإسلامية ضرورة لمواجهة التحديات التى تواجه الأمة الإسلامية فى العصر الحاضر، كما أنها ضرورة فى كل عصر، ولذا لا يحق للمسلم أن يتهم غيره من المسلمين بالكفر أو عدم الإسلام، ما دام الجميع يلتقون حول الأصل الذى دعا إليه الرسول الأكرم o، وفى هذا الواقع المعاصر نجد أن الدعوة القرآنية النبوية هى الأصل الذى ينفع الناس فى هذا الزمان، ولابد من القول: إننا لا نتصور أن شعار الوحدة الإسلامية يعنى دعوة الشيعة إلى أن يتنازلوا عن التزاماتهم الثقافية العقدية فى ما يستنبطونه من التاريخ، أو أن يتنازل السنة عما اقتنعوا به من القضايا التاريخية، وهكذا الشأن فى القضايا الفقهية، بل إن مسألة الوحدة الإسلامية تنطلق من المنهج الموضوعى الذى يدرس الواقع التاريخى الإسلامى بطريقة علمية، بحيث يدرس المثقفون والعلماء كل ما بأيدينا من نصوص فى الكتاب الكريم والسنة النبوية دراسة بعيدة عن الحساسيات والعواطف؛ لأن مشكلتنا أننا ندرس الكثير من نصوص التاريخ أو نصوص القرآن الكريم على أساس مشاعرنا لا أساس عقولنا، ولهذا فإن الكثيرين قد يأخذون موقفًا مسبقًا من مختلف القضايا، فإذا كان النص يتفق مع موقفهم أخذوا به، وأما إذا كان لا ينسجم مع ما توارثوه فإنهم يعملون على تأويله وإبعاده عن ظاهره وعن سياقه؛ ولذا فقد أصبحت عملية استظهار النصوص خاضعة للذهنيات المسبقة التى تحملها، وغدونا نفرض الكثير من هذه الذهنيات على القرآن نفسه، حتى صار القرآن صورة لما نفكر به، بدل أن يكون ما نفكر به صورة للقرآن، والأمر نفسه حصل بالنسبة للمسائل التاريخية التى تتصل ببعض الخطوط الفكرية والثقافية والعقدية، فإن البعض يختار من النصوص التاريخية ما يناسبه ويرفض منها ما لا يروق له، أو أنه يحاول أن يرتب التاريخ على حسب مزاجه ومذاقه الفكرى، لا أن يجعل مزاجه الفكرى خاضعًا لنتائج البحث العلمى التاريخى.

إن المشكل هو أن عواطفنا هى التى تحكم الكثير من حركة البحث عندنا، ولسنا عقلانيين موضوعيين – فى الأغلب – ندرس الأمور على أساس الكتاب والسنة انطلاقًا من القواعد التى يتلاقى عليها الناس فى فهم النص العربى، ولا نخضع تفكيرنا للنتائج المستفادة من الكتاب والسنة، حتى إذا جاءنا شخص وقال: إن الكتاب ظاهر فى أمر ما، أو السنة ظاهرة فى حكم ما مما لا يتفق مع المألوف والمتوارث، نادينا بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتحركت حملات التكفير والتضليل والتفسيق.

إن الذين يتبعون هذه الأساليب باتهامهم من يخالفهم فى اجتهاداتهم بالكفر والضلال والفسق والانحراف ضعفاء فى ثقافتهم كما هم ضعفاء فى حجتهم؛ لأن من يملك الحجة لا يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب، ومن يملك البرهان الساطع لا ينطق بالكلمات غير المسئولة.

وعندما ندعو إلى قراءة التاريخ بموضوعية، ندعو قبل ذلك إلى تنمية الذهنية الموضوعية التى تتحرك بدون أفكار مسبقة، بل تلحظ ما يقوله العقل القطعى لتأخذ به، وليس كل ما يعتبره البعض حكمًا عقليًّا فهو فى الحقيقية حكم عقلى لابد أن نعتمده ونؤول النصوص على ضوئه، ثم إذا امتلكنا الذهنية الموضوعية نأتى إلى النصوص التى بأيدينا والتى تمثل الأساس الفكرى عندنا دراسة من لا يحمل فكرًا مسبقًا موروثًا أو مكتسبًا من المحيط والبيئة بحيث يحاكم النص ويفهمه على ضوئه.

   ونحن نعتقد أن الدراسة الموضوعية لا تنتج حساسيات ولا تخلق مشاكل تؤثر على وحدة المسلمين؛ لأنها تقوم على أسس علمية تخاطب فى الإنسان عقله بدل أن نحرك غريزته وعصبيته، وإنما الذهنيات الغرائزية هى التى تحاول أن توجه العقل بغرائزها ولا تحاول أن تخاطبه بعقلانيتها([4]).

 

دواعى الوحدة فى العالم المعاصر:

إذا كان الله قد طلب منا أن ندعو أهل الكتاب – وكم بيننا وبين اليهود والنصارى من خلافات فى العقيدة وفى كثير من القضايا – إلى كلمة سواء بيننا وبينهم، أفلا نقول لأهل القرآن من المسلمين: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم!، إن الأمر الذى يفرضه علينا القرآن فى التوحد هو ما يناسب حالة الأمة التى تتعرض منذ زمن بعيد إلى حالة حصار؛ لأنهم يعلمون جيدًا أن وحدة المسلمين تمنع مخططاتهم، ولنتأمل ما قاله بعض قادة ومفكرى الغرب وغيرهم عن الإسلام:

* وجدنا أن الخطر الحقيقى علينا موجود فى الإسلام وفى قدرته على التوسع والإخضاع وفى حيويته المدهشة. (لورانس براون).

* من يدرى؟ ربما يعود اليوم الذى تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين يهبطون إليها من السماء لغزو العالم مرة ثانية، وفى الوقت المناسب. (ألبر مشادور).

* إذا اتحد المسلمون فى إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا أيضًا لعنة على العالم وخطرًا أو أمكن أن يصبحوا نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير. (المنصِّر لورانس براون).

* إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع فى حسابنا أن النائم قد يستيقظ. (أرنولد توينبى).

* وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟. (لاكوست وزير المستعمرات الفرنسى عام 1962م).

* لا يوجد مكان على سطح الأرض إلا واجتاز الإسلام حدوده وانتشر فيه، فهو الدين الوحيد الذى يميل الناس إلى اعتناقه بشدة تفوق أى دين آخر. (هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقًا).

* إن الخطر الحقيقى على حضارتنا هو الذى يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم. (سالازار).

* إذا وجد القائد المناسب الذى يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى فى العالم مرة أخرى. (المستشرق البريطانى مونتجومرى وات).

* إن أخشى ما نخشاه أن يظهر فى العالم العربى محمد جديد. (بن جوريون).

* يجب أن نزيل القرآن العربى من وجودهم ونقتلع اللسان العربى من ألسنتهم، حتى ننتصر عليهم. (الحاكم الفرنسى فى الجزائر بعد مرور مائة عام على احتلال الجزائر).

* يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هى خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية.. لقد كان الصراع محتدمًا ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة، بصور مختلفة، ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، وخضع التراث الإسلامى للتراث المسيحى.

* إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هى جزء مكمل للعالم الغربى، فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقى الإسلامى، بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامى، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف فى الصف المعادى للإسلام وإلى جانب العالم الغربى والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها. (أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط فى وزارة الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشئون الشرق الأوسط حتى عام 1967م).

* لقد كان إخراج القدس عن سيطرة الإسلام حلم المسيحيين واليهود على السواء، إن سرور المسيحيين لا يقل عن سرور اليهود فالقدس قد خرجت من أيدى المسلمين، وقد أصدر الكنيست اليهودى ثلاثة قرارات بضمها إلى القدس اليهودية ولن تعود إلى المسلمين فى أية مفاوضات مقبلة ما بين المسلمين واليهود. (راندولف تشرشل).

* كان قادتنا يخوِّفوننا بشعوب مختلفة، لكننا بعد الاختبار لم نجد مبررًا لمثل تلك المخاوف.. كانوا يخوِّفوننا بالخطر اليهودى، والخطر اليابانى الأصفر، والخطر البلشفى.. لكنه تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا، أما اليابانيون، فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم، لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقى علينا موجود فى الإسلام وفى قدرته على التوسع والإخضاع، وفى حيويته المدهشة. (لورانس براون).

* إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجًا عن وجود النفط بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام. يجب محاربة الإسلام، للحيلولة دون وحدة العرب، التى تؤدى إلى قوة العرب؛ لأن قوة العرب تتصاحب دائمًا مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره، إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر بيسر فى القارة الأفريقية. (مورو بيرجر).

* لما وقف كرزون وزير خارجية انجلترا فى مجلس العموم البريطانى يستعرض ما جرى مع تركيا، احتج بعض النواب الإنجليز بعنف على كرزون، واستغربوا كيف اعترفت انجلترا باستقلال تركيا، التى يمكن أن تجمع حولها الدول الإسلامية مرة أخرى وتهجم على الغرب، فأجاب كرزون: لقد قضينا على تركيا، التى لن تقوم لها قائمة بعد اليوم؛ لأننا قضينا على قوتها المتمثلة في أمرين: الإسلام والخلافة. فصفق النواب الإنجليز كلهم وسكتت المعارضة. (كرزون وزير خارجية انجلترا).

* إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد على التملص من السيطرة الأوربية، والتبشير عامل مهم فى كسر شوكة هذه الحركة، ومن أجل ذلك يجب أن نحول بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية. (القس سيمون).

وبعد، فإن المنهج القرآنى لوحدة الأمة هو الأمثل لتحقيق التكامل الإسلامى، وذلك دون أن يرغم أحد على التخلى عن مذهبه الفقهى ما دام أن الكل يأخذ من القرآن الكريم، كما أن حب المسلمين لأهل البيت النبوى من أقوى دعائم الوحدة؛ لأننا – نحن المسلمين – شيعة، وكل الشيعة سنة، وكل المسلمين أخوة([5])، ولا بد أن نعمل على وحدتهم عن طريق التقريب بين أتباع المذاهب الإسلامية.

 

أسس الوحدة

الأمر الأول: وحدة الأمة الإسلامية

من الأمور التى لا يشك فيها مسلم هى: أن الأمة الإسلامية بجميع مذاهبها وأقوامها وشعوبها أمة واحدة، وأن الوحدة هى جوهر أركان الإسلام، وما أجمل ما قيل: (بنى الإسلام على كلمتين: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة). وأن المسلمين ما وصلوا ولن يصلوا إلى تحقيق أهداف الإسلام السامية إلا بالوحدة، وأن عز المسلمين ومجدهم رهين بوحدتهم، وليس بعد اختلافهم وتنازعهم إلا ضعف الشوكة وحلول الوهن بهم.

 

الأمر الثانى: لا خلاف على الأصول الأساسية

أن الأصول الأساسية للإسلام لا خلاف فيها – والحمد لله – بين المسلمين، فكلهم يعتقدون بتوحيد الرب تعالى، وبنبوة سيدنا محمد والأنبياء قبله – صلوات الله عليهم أجمعين – وبالمعاد، والجنة والنار، وبالصلاة والصوم، والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن كتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، إلى غير ذلك من أركان العقيدة والعمل، وأن هذه الأصول المتفق عليها والمشتركة بين المذاهب الإسلامية هى بالذات ملاك الأخوة الإسلامية، ومعيار وحدة الأمة، دون غيرها من المسائل المختلف فيها والآراء الخاصة بكل مذهب، التى تدخل فى معايير المذاهب نفسها دون أصل الإسلام.

 

الأمر الثالث: عدم إدغام المذاهب

أن دعوة الناس إلى وحدة الأمة لا يعنى بها: رفض المذاهب كلها أو بعضها، كما لا يراد بها: إدغام المذاهب والمساومة عليها، وذلك بأخذ شىء من كل مذهب ورفض شىء بحيث تكون الحصيلة صفقة مرضية لأتباع المذهب، كما لا يعنى بها: تبديل مذهب بمذهب، أو إحداث مذهب جديد فى الإسلام ، كما لا يعنى به: الاكتفاء بالمشتركات ورفض موارد الاختلاف والإعراض عنها تمامًا.

نعم، لا يراد بالوحدة والتقريب شيئًا من هذه الوجوه المتصورة التى ربما يوجد لكل منها أنصار بين المسلمين الذين يدعون إلى وحدة الأمة، فإنا نعتقد أن هذه كلها أحلام كاذبة وآراء باطلة، ونرفض كل هذه الفروض والصور المحتملة لأنها ليست عملية، ولا سبيل إلى تحقيقها أصلاً وبتاتًا، والذى يدعو إلى واحدة منها لا يصل إلى تحقيقها، بل يزيد فى الطنبور نقرة، ويوسع شقة الخلاف والخصام بين الأنام.

وإنما السبيل الوحيد الذى نتبناه – اقتداءً بالسلف الصالح من علماء المسلمين والنخبة من المصلحين فى العالم الإسلامى - هو التأكيد والركون إلى المشتركات فى حقل العقيدة والشريعة باعتبارها الأساسية للإسلام، وكونها – كما قلنا – معيارًا للأخوة الإسلامية ووحدة الأمة. هذا مع الاحتفاظ بالمذاهب والاحترام المتقابل بين أتباعها فيما وراء هذه الأصول من المسائل الجانبية الفرعية التى يسوغ الخلاف فيها إطار الدليل والبرهان، والتى تعتبر غير ضرورية، ويكون باب الحوار والاجتهاد فيها مفتوحًا.

إن الاختلاف فى مثل هذه المسائل مقبول ولا ضير فيه، بل لا مناص منه، فلكل ذى رأى رأيه )وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ( (هود: 118 – 119)، أى: للرحمة، أو للاختلاف على الخلاف.

 

الأمر الرابع: الإيمان بالأصول الأساسية العقائدية

قد تبين مما سبق أن المراد بالمذاهب الإسلامية: هى المذاهب التى تؤمن بتلك الأصول الأساسية العقائدية والعملية التى يلتزم أتباعها بالعمل بها بحيث يمكن أن يدخلوا فى إطار الأمة الإسلامية ويعدوا مسلمين، والذين ينكرون أصلاً من تلك الأصول فنحن لا ندعوهم إلا إلى الأخذ بما أخذ به إخوانهم المسلمون ليدخلوا زمرة الأمة الإسلامية.

 

الأمر الخامس: تعيين المشتركات والأصول

لابد من تعيين المشتركات والأصول الأساسية للإسلام – وإن كانت معلومة إجمالاً – من قبل نخبة من علماء المذاهب الإسلامية فى مؤتمر عام، وفى لجان تخصصية مهمتها تشخيص الأصول المتفق عليها؛ لتكون معيارًا للحكم على من لا يلتزم بها، بشىء منها بأنه خارج عن الأمة أو أنه غير مسلم.

 

الأمر السادس: عدم رمى الآخرين بالكفر

ما دام لم يوضح ويحدد هذا المعيار (الكفر والإيمان) فليس لأحد رمى الآخرين بالكفر، كما أنه لا يجوز المسارعة فى الحكم به على أهل القبلة وعلى كل من التزم بالأصول الإسلامية المتفق عليها، وحتى لو شك فى التزامه بها، بل ويجب الاجتناب بشكل قاطع عن تشكيل محكمة من قبلنا لتقسيم الجنة والنار بين المسلمين، ولكن وجب أن نوكل هذا الأمر إلى الله تعالى، فإنه الحكم العدل بين عباده ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( (النحل: 124).

 

الأمر السابع: عدم الاستناد إلى الإشاعات

المسائل الخلافية يجب أن تبين على يد علماء المذاهب واعتمادًا على المصادر المعتبرة عندهم، ولا يجوز الاستناد إلى الإشاعات والأقوال غير المسندة، أو إلى ما يروجه أعداء كل مذهب جهلاً وكذبًا ضد الآخرين، ولا الاستناد إلى أقوال وأفعال الجهَّال من أتباع كل مذهب مما يرفضه علماء ذلك المذهب والخبراء بأسراره.

 

الأمر الثامن: اتخاذ منطوق أقوال المذاهب ملاكًا للحكم عليها

ينبغى اتخاذ منطوق أقوال المذاهب ملاكًا للحكم عليها، ولا ينظر إلى مستلزمات تلك الأقوال مما يرفضها أصحاب المذاهب، وعلى سبيل المثال: لو قال أحد المذاهب بأن الله يُرى فى الآخرة، لا يسوغ لنا أن نحمل هذه العبارة ما يستلزمها عقلاً (وهو أن الله جسم) ما دام أئمة هذا المذهب ينكرون ذلك صراحة (وقد أنكروه بالفعل): بادعاء عدم الاستلزام ابتداء، أو بتوجيه الرؤية إلى نحو من العلم والإدراك الباطنى، فإن القول بالتجسيم للذات الإلهية مرفوض لدى المذاهب المعروفة بين المسلمين، ويعد هذا من جملة الأصول الأساسية للتوحيد، ولهذه المسألة أمثلة شتى فى أكثر المذاهب لا مجال للخوض فيها.

 

الأمر التاسع: عدم سيطرة الفروع على الأصول

أن لا نجعل المسائل الخلافية الجانبية فى نفس درجة أهمية المسائل الأصولية المتفق عليها، مما قد يؤدى إلى سيطرة الفروع على الأصول فى زحمة الاختلافات الفرعية، بل يجب نسيانها مؤقتًا إذا زاحمت المسائل الأساسية، لئلاَّ تصرفنا عن الاهتمام بتلك الأصول، غافلين عنها ومشتغلين عن الأهم بغيره.

 

الأمر العاشر والأخير: فتح باب الاجتهاد فى كل المذاهب الإسلامية

السعى لفتح باب الاجتهاد فى كل المذاهب الإسلامية، وفى كل الأبعاد – بالنسبة إلى المسائل الخلافية غير الضرورية – لكى تكون أبواب البحث فيها مفتوحة على أساس الالتزام بالحق والاحتجاج بالدليل، وتكون القلوب مفتوحة ومستعدة لقبول ما انتهى إليه البحث حسب الدليل، مع رعاية جانب الإنصاف وأدب الجدال بالتى هى أحسن، ومع النظر إلى تلك المسائل الخلافية من منظار التقريب والتحبيب سعيًا للوفاق مهما أمكن، لا من منظار الخلاف والخصام سعيًا إلى الشقاق([6]).

الخاتمة

على الرغم من كل السحب الكثيفة السوداء التى تغطى سماء الأمة الإسلامية فنحن لسنا يائسين، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

ولا زلنا نأمل فى تيقظ وعى الأمة وصحوة ضميرها وتجديد شباب عقيدتها ونقاء فكرها حتى تأخذ مكانها اللائق بها بين الأمم فى عصر التكتلات الدولية.

فلا يليق بكرامة هذه الأمة أن تعتمد فى غذائها بنسبة سبعين فى المائة على غيرها من دول العالم، ومن المعلوم أن من لا يملك غذاءه لا يملك قراره. لازلنا نأمل أن تعود هذه الأمة صاحبة قرارها ومقررة مصيرها، وأن تسهم إسهامًا حقيقيًّا فى تقرير مصير هذا العالم.

بالاتحاد يعود المجد، ويقهر الضد، بالاتحاد سعادة المجتمع والأفراد، وتحصيل الخير العام وحفظه إلى أبد الآباد، وليس بيننا وبين الاتحاد إلا أن نتذكر - والذكرى تنفع المؤمنين - لنعلم مضار التفرقة، فنكره حظوظنا وأهواءنا وملاذنا التى تدعو إلى التفرقة، ونكون جسدًا واحدًا يعمل كل فرد منا لخير المجتمع بقدر نفسه، كما يعمل كل عضو لخير الجسد، وللجسد قلب ورأس وجذع وأطراف، ولكل عضو عمل خاص به. ومتى تفرقت الأعضاء هلك الجسد وأعضاؤه، فالأعضاء تنفع الجسد، والجسد ينفعها، وأكبر الجهاد جهاد النفس، ومن قهرته نفسه أن يجاهدها كيف يجاهد غيرها؟ وقد لاح للأبصار وميض برق الاتحاد فقوَّى الأمل، وآن وقت العمل، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

لا زلنا نأمل فى غد مشرق للأمة الإسلامية، تتوحد فيه جهودها وتتفق - على الأقل - على قضاياها المصيرية. ونرجو أن تتحول هذه الآمال - عن قريب - إلى برامج عمل لمصلحة هذه الأمة حتى تتحقق بما أراده الله لها: أن تكون خير أمة أخرجت للناس قولاً وفعلاً([7]).

 

أسأل الله أن يجمع أمرنا، ويهدى ضالنا، ويوفقنا لما يحب ويرضى.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين.

 

([1]) السنة والشيعة نموذج الوحدة فى زمن الفتن ص13-20، ط.1، 2010م –ليبيا.

([2]) صحيح مسلم باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ح4686، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 30/381 ح18434.

([3]) صحيح البخارى 1/19 ح8 باب دعاؤكم إيمانكم، وصحيح مسلم باب أركان الإسلام ودعائمه ح20.

([4])السنة والشيعة (نموذج الوحدة فى زمن الفتن) ص77-80.

([5]) المصدر السابق ص87-92.

([6]) الوحدة الإسلامية عناصرها وموانعها، لسماحة الأستاذ محمد واعظ زاده ص133-149، الناشر المجمع العالمى للتقريب بين المذاهب، ط.1- طهران – 1421هـ.

([7]) هموم الأمة الإسلامية، للدكتور محمود حمدى زقزوق ص71-93 بتصرف، د.1، دار الرشاد 1419هـ-1998م، القاهرة.